لمحة تاريخية حول مفهوم الذكاء


في فرنسة ، وفي سنة 1881 م، وضعت الحكومة الفرنسية قانوناً يقضي بإلزامية التحاق جميع الأطفال بالمدرسة . ففي السابق كان " بطيئو التعلم " و" ضعاف العقول " يبقون في منازلهم ، أما الآن وبناءً على هذا القانون ، أصبح على المعلمين في المدارس أن يتعاملوا مع نطاق واسع من الفروق الفردية .
لذلك أصبح من الضروري التعرّف على " ضعاف العقول " " وبطيئي التعلم " لأجل وضعهم في مدارس خاصة ،كان بالإمكان الاستعانة بتقديرات وتخمينات المعلمين لأجل هذا الهدف الأخير ، إلا أن مديري المدارس كانوا يخشون أن يقع المعلمون في أخطاء كبيرة في تصنيفهم لتلاميذهم ؛ فمن الممكن مثلاً ، من ناحية ، أن يصنفوا طفلاً لامعاً ، ولكنه مشاكس بأنه غبيُّ ، وذلك بهدف التخلص منه في الصف ، ومن ناحية أخرى ، فمن الممكن أن يصنفوا طفلاً غبياً ( ولكن أهله أثرياء ) بأنه لامع ، وذلك بهدف تجنب ملامة أهله وانتقاداتهم.
فالمطلوب كان طريقة موضوعية ودقيقة لقياس الذكاء عند الأطفال والتلامذة . وعلى هذا الأساس ، عمدت وزارة التربية الفرنسية سنة 1904 م إلى تعيين لجنة من المختصين؛ في علم النفس والتربية لدراسة الطرائق المختلفة لتعليم الأطفال الذين هم " ضعاف العقول " أو " بطيئو التعلم " في مدارس باريس .

كما طلبت المدارس الفرنسية من عالم النفس الفرنسي ألفرد بينيه Alfred Binet 1857 م- 1911 م بأن يفيدهم ،عما إذا كانت أبحاثُه ودراساته في هذا المضمار تحل لهم هذه المشكلة . فبناءً على ذلك ، عمل بينيه بالتعاون مع زميل له يدعى تيودور سيمون ( 1873 م– 1961 م) على وضع أول مقياس منهجي من نوعه لقياس الذكاء .
فمقياس بينيه – سيمون وُضع أول مرّة سنة 1905 م، ثم أُعيد تنقيحه سنة 1908 م حيث عُمل على زيادة عدد الاختبارات أو الفقرات في المقياس ، كما أُلغي بعضها ، ثم عُمل على تجميع الفقرات وتوزيعها وفق الأعمار الزمنية المختلفة.
فخصص لكل عمر مجموعة من الفقرات ، وذلك بدءاً من عمر ثلاث سنوات حتى عمر ثلاث عشرة سنة .
ولم يلبث أن أعيد تنقيح مقياس بينيه – سيمون للمرّة الثالثة سنة 1911 م، سنة وفاة بينيه ، حيث عُمل على الإضافة إلى المقياس مستوى الراشد بفئاته الأربع :الراشد المتوسط ، الراشد المتفوق (1)، والراشد المتفوق (2)، والراشد المتفوق (3).
ولم يلبث أن شاع استعمال رائز بينيه – سيمون في مختلف أنحاء العالم : في أوربة وأمريكة وبعض البلدان العربية .
بعد هذه البداية تَّم تصميم عدد من اختبارات الذكاء العالمية ،وفي أماكن مختلفة من العالم ،نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر :
رائز ويكسلر – رائز ويكسلر للأطفال – رائز المصفوفات المتتابعة ريفين – رائز القدرات المعرفية GogA - رائز قطع الدومنيو ... وغيرها من الروائز.

ما يهمنا معرفته عن هذه الاختبارات النقاط الآتية :

1- كل من هذه الاختبارات اعتمد على نظرية معينة في تحديد الذكاء ، وتم تصميم الاختبار ليقيس الذكاء حسب النظرية التي فسرته ، ومن هنا نشأت الاختلافات بين المقاييس والاختبارات ،فقد نجد اختباراً يركز على الذكاء الفطري ،بينما نجد اختباراً آخر يركز على الذكاء اللفظي ، وآخر يركز على الذكاء الفراغي ... وهكذا . ونشير هنا إلى عدم وجود اختبار واحد يقيس كل جوانب الذكاء عند الفرد ،وإنما نجد اختباراً يقيس جانباً أو جانبين أو ثلاثة على الأكثر .

2- يستغرق تصميم مثل هذه الاختبارات وقتاً طويلاً ،ومجهوداً كبيراً ،وأبحاثاً معمّقة حتى يصبح الاختبار منها اختباراً مقنّناً ، ونعني بالمقنّن: أنه اختبار له قوانين محددة معتمدة علمياً في تطبيقه واستخراج نتائجه ، والاختبارالمقنن يقدم للفاحص –بعد تطبيقه – (درجةً خاماً ) يستطيع الفاحص أن يحولها إلى درجةٍ معيارية ٍ يقارن من خلالها بين أداء المفحوص، وأداء مجموعةٍ كبيرةٍ من الأقران ( العينة ) من العمر الزمني نفسه ، كان قد طُبق الاختبار عليهم في فترة سابقة، وبذلك يستطيع أن يحدد الفاحص بشكلٍ علمي دقيق مستوى أداء المفحوص العقلي، ليعطيه وصفاً معيارياً ( عبقري – ذكي –ضمن عمره – بطيء الاستيعاب – متأخر عقلياً )، كما يمكن في بعض الاختبارات استخراج العمر العقلي للمفحوص ( لمقارنته مع العمر الزمني ، وملاحظة التساوي أو الفرق السلبي أو الإيجابي ).

3- هذه الاختبارات غير شائعة بين العامة وإنما موجودة عند المختصين النفسيين والتربويين , لأنها تخدم أغراضاً تشخيصية ،ولأنه لا ينبغي أن يتدرب المفحوص عليها قبل الاختبار حتى لا تفقد قيمتها التشخيصية .

بعد فترة من شيوع استخدام هذه الاختبارات في تقييم الوضع العقلي للأفراد وإعطاء تشخيصٍ ، نشأت عدة تساؤلات انتقادية حول هذه الاختبارات :
1 ً- هل هذا الاختبار - أو ذاك - يقيس فعلاً ما ينبغي أن يقيسه وبشكل دقيق ؟
2 ً- هل نستطيع أن نختزل كل إمكانات الفرد العقلية من خلال اختبار واحد يعطي درجةً محددة نحكم من خلالها على التوظيف العقلي للفرد ونضع الفرد على هذا الأساس في خانة معينة ؟
3 ً- ألا يوجد ظلمُ كبير للمفحوص في أن نأخذ مكوناً واحداً من مكونات الذكاء نقيَّم _بناءً عليه _وضعه العقلي وندع مكونات الذكاء المختلفة التي قد يتميز بها.
بناءً على هذه التساؤلات والانتقادات نشأت وجهة نظرٍ جديدة في تقييم ذكاء الفرد ، وهي نظرةٌ أكثر شمولاً واتساعاً ومرونةً ، واعتمدت وجهة النظر تلك على مبدأين هامين :

1- الذكاء:مركب معقد، يتكون من عددٍ كبيرٍ من القدرات والإمكانات والاستعدادات ، ولا نستطيع تحديده إذا لم نفهمه ونقومه بشكلٍ شمولي واسع من خلال مكوناته.
2- عملية تقييم الذكاء عملية مرنة ونشطة : فلا ينبغي أن نحدد الذكاء من خلال اختبارٍ يعطينا درجةً معينة تكون الحكم النهائي على المستوى العقلي للفرد ، بل يجب أن تكون عملية مرنة ونشطة ومستمرة وأن تبتعد عن العلامات والمعايير لأنها لا تصلح للتعامل مع مرونة واتساع إمكانيات العقل البشري. وتعتبر هذه النظرة نظرة تطويرية للذكاء أكثر منها نظرة تقييمية واختبارية .



والآن ... وبعد استعراض المدرستين السابقتين ( في التعامل مع الذكاء ) قد نحار – كآباء وأمهات - حول أي منهجٍ نتبع ؟
هل نحن بحاجةٍ إلى معرفةٍ دقيقة معيارية بمستوى التوظيف العقلي لناحية محددة عند طفلنا أم نحن بحاجة إلى معرفة عامة حول نقاط القوة والضعف في القدرات، والاستعدادات العقلية العديدة والكثيرة التي يتشكل منها ذكاء طفلنا ؟؟
وأجيب هنا – كمختص يعمل في هذا المجال – على النحو التالي :
إن المنهج الذي يجب أن يتبعه الأهل في تعاملهم مع تقييم ذكاء الطفل يرتبط بالهدف النهائي من هذا التقييم وأفرق هنا بين حالتين :

_الحالة الأولى : طفلي يعاني من مشاكل محددة :
مشاكل دراسية : تأخر دراسي – حالات رسوب – سرعة النسيان – ضعف في مادة محددة – رفض المدرسة ... إلخ.
مشاكل سلوكية : العناد – ثورات غضب – عدوانية ... إلخ.
مشاكل انفعالية : مخاوف – تردد – قلق – ضعف الدافعية ... إلخ .
مشاكل اجتماعية : ضعف وعي المحيط – ضعف العلاقات الاجتماعية – عدم القدرة على التفاعل مع الأقران ...إلخ.
في هذه الحالة لابد من إجراء تشخيص تخصصي شامل للطفل ، بحيث يطاول هذا التشخيص الجانب العقلي والانفعالي والدراسي والسلوكي والاجتماعي .
ويكون اختبار الذكاء المقنن في هذه الحالة أحد أدوات التشخيص التي يستدل بها المختص عند تحديده الدقيق للمشكلة.

و تستطيع من خلال الموقع أن ترسل رسالة استشارية بعد إجراء اختبارات الذكاء .

_الحالة الثانية : "أريد معرفة نقاط القوة والضعف لدى طفلي ،وذلك بهدف معالجة نقاط الضعف وتعزيز وتنمية نقاط القوة لديه ". وكذلك تستطيع من خلال نتائج اختبارات الذكاء على الموقع أن تعرف نقاط القوة و الضعف لدى الطفل ..

بقلم: أ.عبادة الجبان